سهيلة عبد الباعث الترجمان

364

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

لو لم يكن عين الكلام وجودنا * لم نغتنمه فلم تلذّ الأعين بفنون أسماء اللّه قلوبنا * وتوجهات الحق بي تتفنّن فجميع ما جئنا به إن كنت ذا * فهم وتحقيق به تتيقن « 1 » فيتبين لنا من هذا القول مدى مخالفة ابن عربي لأقوال الفلاسفة بقدم العالم ، بل تأكيده في مذهبه الروحي على وجود الممكنات في عالم سابق على وجودها العيني كأعيان ثابتة في العلم الإلهي فقط يقول : " إن اللّه قدّر الأشياء علما ، ثم أوجدها حكما ، وجعلها طرفين وواسطة جامعة للطرفين ، لها وجه إلى كل طرف من تلك الواسطة البرزخية ، إن شاء الإنسان الكامل فيجمع بين التقدير وهو العام وبين الإيجاد وهو خاص مثل قوله فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي « 2 » فهو أحسن الخالقين تقديرا وإيجادا " « 3 » . وقد كان هذا القول منشأ خلاف بينه وبين أهل النظر في موقفهم من قضية الخلق والإيجاد ، يقول : " فمن لا يرى الفعل إلا اللّه ثم يفرّق بين الحق والخلق بأن يجعل للخلق وجودا في عينه ، وللحق وجودا في عينه ، لم يعلم أحسن الخالقين إلا تقديرا لا إيجادا . على حين أن أهل اللّه لا يرون في الوجود إلا اللّه وأحكام أعيان الممكنات في عين وجوده وهو النظر التام الذي لا ينال بالشهود وهو قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من عرف نفسه عرف ربه ، أي من عرف نفسه أنه لم تزل عينه في أحكامها عرف ربه بأنه الموجود في الوجود ، ومن عرف أن التغيرات الظاهرة في الوجود هي أحكام استعدادات الممكنات عرف ربه بأنه عين مظهرها ، فالناس بل العلماء جميعهم على مراتب في ذلك " « 4 » . إذن فالأمر كله راجع إلى وجود اللّه تعالى عند الجميع - المحققين وعلماء الرسوم - فوجود اللّه هو الوجود ، والوجود كله بلا وجود اللّه عدم صرف . ذلك أن وجود اللّه تعالى به وجود كل شيء على معنى خلق وجود كل شيء وفرضه وتقديره

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص . ص 553 - 554 . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية : 110 م . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 132 . ( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 133 .